المعرفة

الناموس الأخلاقي - أصل المعرفة بقوانين الكون

من المؤكد أننا ككائنات بشرية لا نستطيع التحكم باندماجنا الكامل مع الكلية الشمولية للكون، لكننا تمكنا من إنشاء سلسلة من القوانين التي يمكننا بواسطتها مسايرة الظواهر البسيطة للحياة. ونتيجة لهذا المسعى البحثي النابع من عقلانية حكيمة تمكن أسلافنا القدماء من وضع ما نسميه بالناموس الأخلاقي، وهو ذاته الذي تعرفه كافة شعوب العالم. 

الناموس الأخلاقي - أصل المعرفة بقوانين الكون

الناموس الأخلاقي - أصل المعرفة بقوانين الكون

الناموس الأخلاقي مبني كلياً على قوانين كوئية. وهي قوانين لم يفهمها الإنسان كلياً، لكن نتائجها كانت تتكرر كل يوم وهذا جعل الانسان مجبر على تقبل المسببات رغم عدم وجود سبيل لتفسير النتائج.

رويداً رويداً راحت المعرفة تزداد، إلى أن حصل انقسام مثير في هذا الموضوع، حيث العلم اعتبر مفيداً من جانب وخطيراً من جانب آخر. لقد أصبح واضحاً أن المعرفة تجلب معها القوة والنفوذ والطغيان. كما أنه يوجد حقيقة معروفة لدى القدماء وهي أن القوة تمثل إغواء كبير يقع في شباكه الجميع، وهذا يجعل القوة قابلة لأن تقود إلى كوارث يمكنها أن تحصل للإنسان والطبيعة

بالتالي فإن المعرفة المجردة من الأخلاق، والحرف المجردة من استقامة الوعي، والفرد الذي يعمل في العالم المادي دون أن يستشعر بالمسؤوليات التي يتضمنها الوجود، كل هذا يمثل خطر وتهديد بالنسبة لباقي المجتمع. مجرد أن توفرت المعرفة في العلن وتم تداولها بين العموم لم يعد ممكنا ضبطها أو إعادتها إلى السرية. الحل الوحيد لهذه المسألة هو ابقائها سرية من البداية.

مسألة السرية كانت غالباً في أيدي مجموعة كهنوتية فلسفية، أو يمكننا القول تركيبة دينية قوية، وهذه التركيبة كانت مكرسة لعدم الربح أو الكسب الدنيوي مقابل خدماتها. كان هؤلاء المعلمون والفلاسفة مكرسين لصالح الإنسانية جمعاء، وكانوا متحررين تماماً من كل الإغراءات الدنيوية التي يمكن أن تعترضهم. قرر هؤلاء بأن يفرضوا رقابة على المعرفة، واحتكار تلك المعارف التي يؤدي سوء استخدامها إلى إحداث دمار كبير للطبيعة وما فيها. 

وقاموا بنقلها فيما بينهم وعبر الأجيال بأمان. خوفاً من أن تموت تلك المعرفة مع الحائزين عليها والمحتكرين لها ابتكروا طريقة مجدية وفعالة لنقلها بأمان من جيل إلى جيل. ومع مرور الزمن راحت تنتشر هذه المعرفة من أمة إلى أخرى بنفس حالة الأمان والسرية المعهودة، إلى أن أصبح انتشارها يشمل العالم بأسره. لكن من أجل تحقيق ذلك بنجاح، وجب القيام بإجراءات معينة من أجل حماية تلك المعارف التي لو تم استغلالها لغايات دنيوية سوف تمثل تهديد فعلي للشعوب. 

هذا الاستغلال يمكن أن يشبه تلك التي وردت في رواية أفلاطون عن دمار أطلنطس. ففي تلك الجزيرة العظيمة تغلب مستوى المهارة على مستوى الأخلاق، فاستلمت القوة الدنيوية السلطة وتم المساومة على المبادئ الأخلاقية وأخيراً دمرت الجزيرة نفسها. لا بد من سوء استخدام المعرفة أن ينتهي بمأساة، ينتهي بكارثة، وإذا هذه الكارثة لم تمنع بطريقة ما فيمكنها أن تسبب بانهيار حضارة بكاملها. 

لذلك قرر الحكماء القدامي وضع قيود معينة على معرفتهم السرية. هذه القيود مجتمعة شكلت منظومة من التعاليم. وهي التي أصبحت معروفة بالتعاليم السرية. هذه التعاليم لها مدارسها الخاصة والتي هي مكرسة كلياً لصون هذه المعرفة التي تحوزها والمؤتمنة على نشرها بأمان ووفق طريقة محددة ومدارة بطريقة مدروسة.

الفرد الذي يرغب بهذه المعرفة ويدرك حاجته لها كان يوضع ضمن قيود محددة، ويجري تعهدات خاصة، وعبر فترة طويلة من التدريب والإنضباط عليه أن يثبت بأنه مؤهل لتلقي هذه المعرفة. إنها غاية هؤلاء المعلمون القدماء أن يتأكدوا بأن لا شيء مهم لتقدم الإنسان يمكن أن يحتكر بفعل الأنانية أو الطموح أو الجشع. 

كان من الضروري أن يحسنوا اختيار المرشحين الجدد لحراسة هذه المعرفة. لهذا السبب نجد أن معظم المعلمين القدماء أقاموا المدارس أو أنظمة التدريب الخاصة والتي من خلالها نشروا هذه المعرفة بحذر. مدرسة فيثاغورث في كروتونا كانت إحدى أشهر المدارس في العالم القديم. وكذلك مدرسة أفلاطون في أثينا كانت مثال آخر. وفي شرق آسيا نجد الغورو الهنود وتلاميذهم الذين يبحثون في أسرار الحياة بطريقة منضبطة ومدروسة.

مع مرور الزمن راحت أجزاء كبيرة من هذه المعرفة تتسرب إلى العموم، لكن بفتات غير منتظم ومعظمه غامض وغير مفهوم. المؤسسات القديمة اندثرت وتبعثرت تحت الضغط الهائل لعملية تحول شامل في المعتقدات والسياسات التي اجتاحت كافة البلاد في فترة تاريخية معينة. 

تلك الفترة التاريخية شهدت بروز شخصيات طموحة مجردة من المعرفة أو المهارة لكنها تمكنت تدريجياً من استقطاب وجمع حولها جيوش وتابعين مخلصين، وراح هؤلاء يصولون ويجولون في البلاد ويدمرون وينهبون المؤسسات التعليمية الكبرى، أي بمعنى آخر، الحماية الكبرى للناس كانت حكمة الأقلية، ومن أجل أن تستطيع الأكثرية الهمجية أن تسيطر وتطغي وجب على هذه الحكمة أن تلغي أو تزول بطريقة أو بأخرى، فتم استهدافها أينما كانت. 

هذا جعل منظومة التعاليم السرية تقع تحت ضغط كبير كاد أن يزيلها كلياً من الوجود، لكنها لم تزول كلياً. وحتى اليوم في هذا العصر يوجد دلائل على استمرارية وجود هذه التعاليم في أماكن مختلفة حول العالم ولازال نظام الحراسة قائماً بكامل تقليده الذي وضعه الحراس الأوائل.

إرسال تعليق

إرسال تعليق