الثوابت الوطنية : خدعة كبرى

 الثوابت الوطنية

الثوابت الوطنية يدرك معناها جيدا من كان مطلع بعمق على سياسات الدول الاستعمارية التي سادت في القرن الماضي، فبعد تقسيم مناطق العالم إلى دول وكيانات سياسية مختلفة، عمل المستعمرون على صنع ما يمكن أن نسميه بالعامية "حركوشة"، وهي عبارة عن عامل أو عنصر أو أمراً معيّناً يسبب الصراع أو التوتّر بين الكيانات السياسية التي صنعها الاستعمار. قد تتمثّل هذه الحركوشة بقطعة أرض واقعة على الحدود بين بلدين مثلاً. إذا درس أحدكم التاريخ الحديث جيداً سوف يكتشف أن معظم الدول التي نالت استقلالها من المستعمرين لازالت حتى اليوم في حالة نزاع مع جيرانها بسبب قطعة أرض أو مجموعة أثنية أو عرقية مقسومة إلى قسمين الأوّل في هذه الدولة والثاني في الدولة المجاورة. دعونا نعود إلى موضوع المسلمات ونستعين كمثال بالنزاع الدائر بين الباكستان والهند حول كشمير ( وهي الحركوشة التي خلفتها بريطانيا) . السبب الرئيس الذي جعل هذه المسألة قائمة طوال هذه المدة هو لأن الثوابت الوطنية (المسلمات) لكل من البلدين تنصّ على الجهاد من أجل تحرير كشمير! ومن أجل تحرير كشمير على يد كل من الهند والباكستان، تم في كل بلد توجيه الاقتصاد ليتخذ توجهاً حربياً، أي تهميش توجهات اقتصادية أخرى، وتم استنزاف مئات المليارات من قبل كل بلد في سبيل تحقيق هذا الثابت الوطني المتمثّل بتحرير كشمير. عداك عن البلبلة السياسية والمؤامرات الاستخباراتية واستنزاف عقول لامعة في خدمة هذا التوجّه. أي بكلمة أخرى: لقد خسر كل من البلدين، إن كان من الناحية المادية والاقتصادية والمعنوية والثقافية..، أضعاف  أضعاف أضعاف ما تستحقه قطعة الأرض المسماة بـ كشمير! مع العلم أن الحبل لازال على الجرّرا .


الحركوشة

السبب طبعاً هو ليس لأن البلدان متوحشان أو متخلفان أو يتقصهما الحكمة، بل يمكن تلخيص السبب بكلمة واحدة فقط: المسلمات، ولكي نفهم الموضوع أكثر سنشرع العملية بالتفصيل: أي زعيم منفرد أو حزب سياسي يستلم السلطة في كل من البلدين لا يستطيع أن يتبوأ هذا المنصب أساساً إذا لم يقرّ بالتزامه بالثوابت الوطنية. وبما أن تحرير كشمير يُعتبر ثابتاً وطنياً هذا يعني أن التخلى عنه هو خيانة عظمى يحاسب عليها قانون البلاد بشدّة. فلا أحد مستعدّ الاستغناء عن منصبه أو حياته فقط من أجل محاولة تغيير واقعاً مسلماً به، فذلك سيبدو جنوناً! أليس كذلك؟... لهذا السبب نرى الصراعات والتوترات قائمة حول العالم بفعل الثوابت الوطنية التي تقرّها الدول المختلفة. ولا داعي للقلق.. فهذا الصراع سيبقى إلى الأبد! لقد وقعنا في فخ المسلمات ويستحيل الخروج منه أبداً أبداً!!

الثوابت موجود في كل المجالات

هذه المسألة تنطبق على كافة المجالات الفكرية إن كانت دينية أو علمية أو سياسية. فكما أن نجاح السياسي يعتمد على مدى التزامه بالثوابت الوطنية (المسلمات)، نرى من ناحية أخرى أن الأكاديمي يعتمد نجاحه واحترامه وموقعه على إلتزامه بالثوابت العلمية! ولهذا السبب، فلا يدور في الصالونات العلمية المحترمة أي حوار أو نقاش حول مواضيع الطاقة الحرّة (المناقضة لقانون الديناموحراري، وقانون مصونية الطاقة)، أو التاريخ الحقيقي للإنسان (المناقض لنظرية داروين) أو التطافر البيولوجي (المناقض للقوانين الكيميائية السائدة)... وهكذا. فإذا أردت أن تكون أكاديمياً محترماً كل ما عليك فعله هو الإلتزام بالثوابت العلمية، وسوف تبقى محترماً طوال حياتك المهنية. أما إذا خرجت عن المسار العلمي، فسوف تصبح أكاديمياً غير رسمياً (وقد تحدثت عن مؤامرة الرسمي وغير الرسمي)، أي ستصبح منبوذاً من المجتمع العلمي المحترم! وقد تُسحب منك شهادتك الأكاديمية بسبب عدم كفاءتك المهنية! إذاً، فالشعار القائم هو:

 اذا لم تتلاءم الحقيقة مع المسلمات فيجب نبذها في الحال

هذا هو واقع الأمور دائماً ... حتى في عالم الأكاديميا 

من المستفيد من هذه الحالة؟.. لتتعرّفوا على السبب، ابحثوا عن الجهة التي صنعت هذه المسلمات أصلاً.


أحدث أقدم